هل نحن من يصنع الشر؟ أم أن الشر هو من يصنعنا؟
اليوم، سنتناول موضوعًا قد يبدو محيرًا للكثيرين، بل ويثير في النفس تساؤلات عميقة لا تنتهي. موضوعنا هو: الشر.
ومن هنا ينطلق سؤالنا الجوهري: هل نحن من يصنع الشر؟ أم أن الشر هو من يصنعنا؟
لكن وقبل أن نغوص في أعماق هذا التساؤل، علينا أولًا أن نتوقف لحظة ونتساءل: ما هو الشر؟
الشر ببساطة هو مجموعة من الأفعال غير الإنسانية، التي يرتكبها البشر بدافع إشباع رغباتهم الدنيئة والمظلمة. وقد تم ترسيخ هذا التعريف في أذهان الكثيرين بناءً على تجربة اجتماعية صادمة جرت عام 1974 .
التجربة الصادمة:-
في تلك السنة، قامت الفنانة الصربية مارينا أبراموفيتش بإجراء تجربة تحمل أبعادًا نفسية وسلوكية غاية في الجرأة والخطورة، ضمن إطار دراستها للسلوك الاجتماعي. وضعت مارينا نفسها في معرض مفتوح أمام الجمهور لمدة ست ساعات كاملة، دون أن تتكلم أو تتحرك. إلى جوارها كانت هناك طاولة تحتوي على اثنين وسبعين غرضًا، منها ما هو لطيف مثل: الورود، العسل، والريش، ومنها ما هو خطر للغاية مثل: مقص، سكين، مسدس، مسامير، أسلاك، وحتى ورود شائكة.
القاعدة الوحيدة للتجربة كانت صادمة وبسيطة: "للمشاركين حرية استخدام أي من الأدوات كما يشاؤون، دون أن تتدخل أو تحاسبهم على ما يفعلونه بها." وقد وقّعت على وثيقة تُقرّ فيها بأنها لن ترد على أي تصرف مهما بلغ قسوته.
في بداية التجربة، كان المشهد يحمل لمحة من الطيبة، فقد قدّم لها البعض الورود، وأطعمها العسل. لكن مع مرور الوقت، بدأ الناس يتلمسون جسدها، يقتربون منها أكثر، يتحرشون بها. وعندما تأكدوا تمامًا من أنها لن تبدي أي رد فعل، تحوّلت الأجواء إلى كابوس.
بدأ البعض بتمزيق ملابسها، وآخرون جرّحوها بالسكين، ثم لفّوا جسدها بالورود الشائكة حتى سال منها الدم. ووصل الأمر إلى أن أحدهم وجّه المسدس إلى رأسها، مستعدًا لإطلاق النار، لولا أن شخصًا آخر تدخّل وأوقفه في اللحظة الأخيرة.
ورغم كل ما حدث، لم تتفوّه مارينا بكلمة واحدة، ولم تتحرك. كانت الدموع وحدها تنحدر من عينيها، شاهدة على ما يمكن أن يصنعه البشر حين تُمنح لهم السلطة المطلقة دون خوف أو عقاب.
انتهت التجربة بلحظة إنسانية خافتة؛ جاءت امرأة ومسحت دموعها، وغطّاها آخرون بقطع من القماش بعدما تمزقت ملابسها بالكامل.
لو تأملنا قليلًا في مثل هذه المواقف المظلمة، نجد أن الشر لا يمكن حصره في قارة معينة، أو في عرق بعينه، أو حتى في زمن محدد. فالشر ليس ابن مكان، ولا هو محصور في جنس دون آخر. ولو قررنا أن نخوض في تفاصيل كل قارة وكل عرق، واستعرضنا علاقتهم مع الشر قديمًا وحديثًا، سنحتاج إلى رحلة طويلة.
لكن قبل أن نبدأ، دعونا نتفق على تصنيف زمني واضح:
ما بين عام 1800 إلى 2025 نُسميه الزمن الحديث.
وما قبل عام 1800 نُطلق عليه الزمن القديم.
ومن هذا المنطلق، سنبدأ رحلتنا بين القارات، لنرصد الأفعال الشريرة التي ارتُكبت في الزمن الحديث أولًا، ثم نعود للزمن القديم. وفي نهاية هذه الرحلة، سنعود لطرح السؤال من جديد(هل نحن من يصنع الشر، أم أن الشر هو من يصنعنا؟ (
} تنبيه: لا أوجّه اللوم أو الاتهام إلى دولة بعينها، بل أتحدث عن تجارب مؤلمة شهدها هذا العالم بأسره أعلم يقينًا أن في كل دولة يوجد خير كما يوجد شر وشكرًا {
قارة آسيا: قارة الحضارات العظيمه مع عظمتها فى انتشار الدمار:-
هيا بنا نبدأ رحلتنا من قارة آسيا، وتحديدًا من غابات بورنيو في إندونيسيا، حيث وقعت واحدة من أكثر القصص ألمًا ووحشية، قصة لا يمكن نسيانها بسهولة، لأنها تسكن الذاكرة وتطرق أبواب الضمير الإنساني بلا رحمة.
في أعماق تلك الغابات، وُلدت أنثى قرد من فصيلة أورانجوتان، أطلق عليها لاحقًا اسم بوني. يُعتقد أنها ولدت ما بين عامي 2013 و2015، وكانت في بداية حياتها تلازم أمها، تتعلم منها كيف تعيش، كيف تتحرك، كيف تأكل، وكيف تبني روابطها في هذا العالم.
لكن المشهد لم يكتمل. ففي لحظة قاسية، ظهر صيادون داخل قلوبهم مليئه بالقسوة والجشع، أطلقوا النار على أمها أمام عينيها الصغيرة، لتُقتل في الحال، وتُنتزع بوني من أحضان الأمان إلى عالم لا تعرف عنه شيئًا سوى أنه مليء بالخوف.
أُخذت بوني لتُباع في السوق السوداء، وهناك بدأ فصل جديد من المعاناة، فصل لا يكتب في الروايات لأنه أقسى من أن يُتخيّل. اشتراها مالك لأحد بيوت الدعارة، ليس ليربيها أو ليعتني بها، بل لسبب أبشع مما يمكن للعقل أن يتصوره.
تم حلق شعرها بالكامل، وخضعت لعمليات تجميل قسرية لتبدو بمظهر "أكثر أنوثة"، ثم استخدمت كوسيلة للمتعة الجنسية، حيث تم اغتصابها مرارًا وتكرارًا، كل ذلك من أجل المال. لم تكن تملك حيلة، ولم يكن لها صوت يُسمع.
استمر هذا الجحيم ست سنوات كاملة، من الألم والذل والانتهاك. ست سنوات كانت فيها بوني حبيسة لا تستطيع التكلم, بل أيضًا الألم الذي لا يُوصف.
حتى جاء عام 2020، حين تحرّكت منظمة PETA Asia بعد أن تلقت بلاغات بشأن تلك الحالة البشعة. تمت مداهمة المكان، وإنقاذ بوني، والقبض على مالك بيت الدعارة. نُقلت إلى مركز مختص لإعادة تأهيل الحيوانات، ولكن... كانت حالتها النفسية منهارة بالكامل، عيناها تحملان وجعًا أكبر من أي تفسير.
رغم الرعاية والعلاج، لم تحتمل بوني جراحها، فقد كانت الصدمة أكبر من قدرتها على النسيان. وفي عام 2021، فارقت الحياة متأثرة بمضاعفات صحية ونفسية، تاركة وراءها قصة من الألم، يجب ألا تُنسى.
هذه ليست قصة عن قردة، بل عن ما يمكن أن يفعله الإنسان حين يُفسد قلبه، ويبيع ضميره في سوق الرغبات.
جرائم كوكب اليابان اللطيف:-
دعنا نذهب لرحلة إلى قلب الظلام ربما بدت لك قصة القردة "بوني" مجرد حالة غريبة، وربما قال البعض إنها لا تستحق التأمل. إذًا، دعني آخذك إلى ما هو أعمق، وأكثر رعبًا، وأشد قسوة، إلى كابوس بشري لا يزال أثره محفورًا في ضمير العالم.
احجز مقعدك بجانبي، فنحن على وشك السفر إلى كوكب اليابان، ولكن ليس في زماننا هذا... بل إلى حقبة الثلاثينيات من القرن العشرين، وتحديدًا إلى عام 1930، حين كانت اليابان ترتدي ثوب القوة والنفوذ، وتخفي خلفه مخالب الوحشية.
في ذلك الوقت، قررت اليابان أن تُحكم قبضتها على الصين، فبدأت باجتياح إقليم منشوريا عام 1931، وهو إقليم تبلغ مساحته ما يقرب من مليون ونصف كيلومتر مربع. كانت الصين آنذاك في أضعف حالاتها بسبب حرب أهلية طاحنة بين الحزب الشيوعي وحزب "الكومنتانغ" الذي يُعرف الآن بسلطة تايوان.
لكن اليابان لم تكتفِ بالاحتلال. كانت تطمح إلى ما هو أبعد من ذلك… إلى تفوق عسكري شامل، لا تُضاهيه جيوش أوروبا التي سبقتها بالتفوق في الدبابات، والطائرات، والأسلحة الحديثة، والغازات القاتلة.
ورغم أن أوروبا أصدرت قوانين تمنع تطوير الأسلحة البيولوجية، خوفًا من تفشي الأوبئة والموت الجماعي، رأت اليابان أن هذه القوانين وُضعت فقط لحماية تفوق الجيوش الأوروبية، لا حبًا في الإنسانية.
ومن هنا بدأ المخطط الجهنمي...
الوحدة 731: جحيم على الأرض بدأت اليابان بإجراء تجارب بيولوجية أولية على الحيوانات داخل مختبرات في طوكيو، لكنها سرعان ما واجهت مشكلة: "قد تنجح التجارب على الحيوانات... ولكن ماذا عن البشر؟"
ولذلك، تقرر بناء منشأة جديدة، أشبه بحصن شيطاني، في قلب منشوريا، سُمّيت بـ الوحدة 731.
لكن يبقى السؤال: من سيكون وقود هذه التجارب؟ الإجابة كانت قاسية وبسيطة: الشعب الصيني.
أنشأت اليابان شرطة خاصة داخل منشوريا هدفها الوحيد اختطاف البشر من الشوارع، من منازلهم، من أي مكان، دون سبب أو تهمة. بدأوا بالمعتقلين السياسيين والمجرمين، لكن مع الوقت توسّع الأمر ليشمل كل من تطاله أيديهم.
عاش الصينيون رعبًا لا يُوصف. كانوا يدركون أن حياتهم قد تنتهي في أية لحظة، على طاولة تشريح باردة، بلا مخدر، بلا رحمة.
تجارب خارج حدود العقل داخل أسوار الوحدة 731، كانت تُرتكب أبشع الجرائم بحق البشر. كان الأطباء والعلماء اليابانيون يحقنون الضحايا بأمراض قاتلة: الزُهري، الطاعون، الكوليرا، والعديد من الفيروسات والبكتيريا المعدّلة جينيًا لتكون أشد فتكًا.
ثم يُتركون تحت المراقبة لتسجيل تأثير المرض، وكلما اشتد الألم، اشتدت فرحة العلماء، وكأن آهات المعذّبين موسيقى لانتصاراتهم المريضة.
لكن القسوة لم تقف عند هذا الحد...
حين كان الضحية على وشك الموت، كانوا يجرون عليه عمليات تشريح حية، دون مخدر. لم يكن الهدف إنقاذه، بل معرفة ما يفعله المرض في الأعضاء قبل أن تموت. كان الألم لا يُحتمل، وكان الصراخ يكسر جدران المختبرات.
أحد الشهادات المروعة ذكرت أن سجينًا كان مستسلمًا تمامًا، صامتًا، هادئًا، كمن تقبّل مصيره. لكن حين وُضع تحت مشرط الطبيب، وبدأ فتح صدره حتى بطنه، تحول الهدوء إلى عواء شيطاني من الألم، حتى ارتجف المكان بأسره.
وقد لا تتخيل أن الأمر وصل إلى زرع أعضاء بشرية من شخص إلى آخر، فقط لاختبار "هل ينجو؟"، أو إزالة عضو لمعرفة "هل يمكن العيش بدونه؟"، بينما تُصفّ قوارير في المخازن تحتوي على أعضاء بشرية منتزعة حديثًا، وكأنها أدوات معملية.
ميدانية ووحشية بعد انتصار اليابان في الحرب الصينية اليابانية الثانية عام 1937، زاد التوسع، وازدادت المذابح، وعلى رأسها مجزرة نانجينغ الشهيرة. تم بناء المزيد من الحصون المماثلة للوحدة 731، وأصبح الضحايا يُستخدمون في اختبارات ميدانية مباشرة: يُقصفون بالقنابل، يُطلق عليهم النار، تُجرّب عليهم قاذفات اللهب والأسلحة المطوّرة، فقط لمعرفة مدى تأثيرها على أجساد البشر.
وكانت هناك تجارب في درجات حرارة شديدة البرودة، يُترك فيها المساجين عراة ليتجمدوا حتى تتفتت أجسادهم. وفي المقابل، في المناطق الحارّة جدًا، يُحبسون تحت أشعة الشمس حتى تُستنزف سوائل أجسادهم، ويموتون من التصلب والجفاف، وكأنهم تم تحنيطهم أحياء!
كل هذا كان يُسجل بدقة شديدة، لأن اليابان أرادت معرفة كيف يمكن لجنديها أن ينجو في ظروف مماثلة.
النهاية... أم مجرد بداية أخرى؟ حين انتهت الحرب العالمية الثانية، وأُلقيت القنابل الذرية على هيروشيما وناغازاكي، استسلمت اليابان. لكن أمريكا كانت تعرف جيدًا ما الذي جرى داخل الوحدة 731. ولذلك طلبت من اليابان كل البيانات والوثائق والتقارير التي تتعلق بهذه التجارب.
خوفًا من اتهامهم بجرائم حرب، قامت اليابان بارتكاب مذابح جماعية للقضاء على كل من شارك أو خضع للتجارب. أُحرقت الجثث، دُمرت المختبرات، وأُتلفت الوثائق، في محاولة لإخفاء كل شيء.
لكن بعض الوثائق تم تهريبها، خصوصًا على يد "الدكتور شيرو"، المسؤول الأول عن هذه الفظائع، والذي وافق – مقابل الحصانة الأمريكية الكاملة – على تقديم المعلومات والتقارير للجيش الأمريكي.
وهكذا، أفلت الجناة من العقاب، ولم يُحاسَب إلا من ثبت تورطه في تجارب ضد الأسرى الأمريكيين فقط، أما آلاف الصينيين الأبرياء الذين ماتوا في صمت، فكان مصيرهم النسيان... أو لولا هذه السطور. فلنعد قليلًا إلى الوراء، إلى العصور القديمة، حيث برز اسمٌ أرعب قارة آسيا والدولة الإسلامية: المغول.
انتشار المغول مثل الجراد الذى أفسد كل شئ:-
المغول: الذين وحّدهم القائد جنكيز خان، كانوا قبائل تعيش في شمال شرق آسيا، وتحديدًا في ما يُعرف اليوم بدولة منغوليا. بعد توحيدهم، اجتاحوا العالم بقوة وسرعة لا مثيل لهما، ناشرين الرعب والمذابح أينما حلّوا. استطاعوا احتلال مساحات شاسعة من الأرض، امتدت من شمال الصين، وجنوب شرق روسيا، وكوريا، إلى كازاخستان، وجميع البلاد الواقعة بين الصين وإيران، فيما عُرف حينها بالدولة الخوارزمية الإسلامية، ثم العراق وسوريا، حتى وصلوا إلى أبواب لبنان وبولندا.
لكن من حسن حظ البشرية، أن هذا المد الوحشي توقف أخيرًا بهزيمتهم على يد جيش المماليك بقيادة سيف الدين قطز في مصر، في معركة عين جالوت، التي كانت نقطة تحول أنهت توسعهم المستمر.
كانوا إذا دخلوا مدينة، أبادوها بالكامل، رجالًا ونساءً وأطفالًا، بل حتى الحيوانات لم تسلم من بطشهم، سواء قاومت المدينة أم استسلمت. كانوا يحرقون المباني ويدمّرون أي إرث ثقافي أو تاريخي، لدرجة أن عدد سكان شمال الصين انخفض من خمسين مليونًا إلى ثمانية ملايين ونصف فقط بعد اجتياحهم، وقُضي على حضارات عظيمة مثل الدولة الخوارزمية، حتى أصبحت المعلومات عنها شحيحة جدًا في كتب التاريخ.
يُقال إنهم أبادوا ربع سكان الدولة الخوارزمية في الهضبة الإيرانية، وتركوا الجثث في الشوارع، بل صنعوا تلالًا من الرؤوس المقطوعة لبثّ الرعب في نفوس من تبقى من الشعوب.
أما أبشع مجازرهم على الإطلاق، فكانت إبادة مدينة بغداد عام 1258م. كانت بغداد آنذاك أعظم مدن الأرض، وعاصمة العلم والحضارة الإسلامية، ومركزًا للعلماء والمخطوطات النادرة، وخاصة "بيت الحكمة"، الذي كان قبلةً للعلماء من مختلف أنحاء العالم.
دخل هولاكو، حفيد جنكيز خان، إلى بغداد وأمر بإبادة سكانها بالكامل، باستثناء المسيحيين النسطوريين الذين حذّرهم مسبقًا قائلاً لهم: "احبسوا أنفسكم في كنائسكم ولا تخرجوا"، وذلك لأن زوجته كانت نسطورية، فحظيت طائفتها بمعاملة خاصة.
تم ذبح الرجال والعجائز، واغتصبت النساء، وأحرقت المدارس والمكاتب. أُلقيت الكتب والجثث في نهر دجلة حتى غيّرت لونه، فصار أسودًا من الحبر، وأحمرًا من الدماء. وقد قُدّر عدد الضحايا ما بين 800 ألف إلى مليون ونصف إنسان. "وهكذا نغلق صفحة آسيا، التي رغم ما تحمله من حضارات عظيمة، لم تَسلم من سواد الحروب والمآسي، لننتقل الآن إلى القارة العجوز وهو أوروبا، حيث لا تقل الدماء ألمًا، ولا الجرائم بشاعة..." فى الجزء التانى