هذا الموضوع بالغ التعقيد، بل يمكن القول إنه من أكثر القضايا تعقيدًا في تاريخ البشرية، فقد أشعل بسببها حروبٌ ومذابحٌ واتهامات وصراعات لا تنتهي. ولكن، وقبل أن نخوض في أعماق هذا السؤال، علينا أن نتوقف لحظة ونسأل أنفسنا سؤالًا مصيريًّا:
هل كان للملحدين حقٌ فيما يقولون؟
هل كان من حقهم أن ينكروا وجود الإله لأن فكرة الأديان - بحسب زعمهم - كانت سببًا في إشعال نيران الصراعات، وسفك الدماء، وتدمير المجتمعات؟ انظر فقط إلى الصراع الدموي الذي نشب بين باكستان والهند نتيجة الخلاف بين الديانة الإسلامية والديانة الهندوسية. أو إلى مأساة فلسطين، حيث الشعب الفلسطيني المسلم يُسحق يوميًّا على يد الصهاينة الإسرائيليين، الذين يزعمون أن هذه الأرض لهم لأنها مذكورة في دينهم وأنها ميراث أجدادهم!
فإن أردنا فهم هذه الجدلية الكبرى، علينا أولًا أن نغوص في عقلية الملحد... كيف يفكر؟ ولماذا يرفض وجود الإله؟
هل الملحدون على حق أم لا؟
فكرة الملحدين ببساطة، أنّه لا وجود لشيء اسمه "إله" أصلًا.
يرون أنّ فكرة وجود إله ما، ليست إلا خرافة من نسج الخيال، ويصفون من يؤمن بها بالسذاجة وربما بالغباء! وإن سألك أحدهم سؤالًا ولم تجبه بردٍّ علميٍّ منطقيٍّ يقنعه، سيتهمك فورًا بالجهل والتغافل، وسيرى إيمانك خرافةً لا أصل لها، أو شيئًا يتجاوز قدرة العقل على التصديق.
ولو سألناه: كيف بدأ الكون؟
سيجيبك بنظرية "الانفجار العظيم"، ويقول إن الكون في بداياته كان عبارة عن تجمّع هائل من الغازات في نقطة معينة، ثم حدث تفاعل عنيف أدى لانفجار كبير، فانطلقت الغازات وتوسعت، وكان كل شيء مصنوعًا من الغاز، خاصة الهيدروجين والهيليوم، وتمدد الكون وبدأ يبرد، وعلى مدى مليارات السنين، جمعت الجاذبية هذه المادة لتُشكّل النجوم والمجرات والكواكب، وكل ما في الكون، بل حتى أنت.
لكن، لو طرحت عليهم أربعة أسئلة فقط:
١. لماذا كوكب الأرض بالتحديد هو الكوكب الوحيد الذي احتضن الحياة؟
٢. ولماذا لا توجد كائنات أخرى تستطيع التكيّف في بيئة الكواكب الأخرى كما فعلنا نحن؟
٣. ما الهدف الحقيقي من وجودنا على هذه الأرض؟
٤. وأين نذهب بعد موتنا؟
لن تجد جوابًا قاطعًا.
وإن حاولوا الإجابة، تجدهم يهربون نحو ما يسمونه "العلم" ليتحدثوا عن احتمالات وخرافات، لا برهان لها.
وفي النهاية، أصبح الإنسان عندهم هو الكائن المقدّس!
كل ما يريده أن يسعد أكثر، فيكسب مالًا أكثر، فيعيش حياةً أجمل، وكلّما استطاع إمتاع الناس أكثر، كلما زاد دخله، وارتفع احترامه الاجتماعي!
هذا باختصار جزء من فلسفتهم.
ثم يأتيك أحدهم ويسألك:
كيف تؤمن بوجود إله لم تره بعينك؟
فتجيبه ببساطة: كما أؤمن بوجود الكهرباء عندما أرى المصباح مضيئًا، مع أنني لم أرَ الكهرباء نفسها!
نعم... في هذه الدنيا أدلّة كثيرة، تحكي وتصرخ وتثبت وجود شيء عظيم، فوق طاقتنا البشرية، شيء صعب تصديقه بالعقل وحده...
إلهٌ خلق كل شيء، من أصغره إلى أكبره، بدقة مذهلة، ونظام مبهر.
والآن... دعنا نترك تفكيرهم جانبًا، ولنبدأ نحن بالبحث عن الله!
رحلة كشف الغموض والحقيقة:
ولكن، دعنا نبدأ بسؤال بسيط…إذا كانت أغلب الأديان تتفق على أنّ الإله خلق أبًا وأمًا أولين، ومنهما بدأ التكاثر البشري، فهل من المنطقي أن يجهل هذا الأب وهذه الأم من هو الإله؟
بالطبع لا!
ففي كل الروايات الدينية تقريبًا، نسمع أنهم نزلوا من الجنة، أو أنهم خُلقوا من دم الإله، أو كانوا على صلة مباشرة بالسماء، أي أنهم عرفوا من هو الإله، وعرفوا كيف يعبدونه، وكيف يتبعونه.
فإذا كان هذا هو الحال، لماذا إذن توجد كل هذه الأديان المختلفة؟
لماذا لم تنتقل المعرفة الدينية الحقيقية من الآباء إلى الأبناء بوضوح؟
لماذا نشأت كل تلك العقائد والطقوس المتعددة، والصراعات بين من يزعم أن لديه "الحق المطلق"؟
من الطبيعي أن يتوارث الأبناء دين آبائهم، ومن المنطقي أن يسيروا على نفس النهج، فلو كان الأمر واضحًا منذ البداية، لما شهدنا كل هذا الانقسام!
هنا تمامًا تظهر المعضلة…
الدين، قبل أن يكون قناعة، فهو في البداية وراثة.
أنت لم تختر دينك في أول لحظة وعيك، بل ورثته من عائلتك، من تربيتك، من بيئتك، سواء كانت على صواب أو على باطل.
وبعد ذلك، تبدأ رحلة الاختيار الحر… لكن بعد ماذا؟ بعد أن تكون قد تشبعت بعقيدة لم تخترها، بل وُلدت بها.
وهنا يكون الموقف محيّرًا بحق…
كيف نثق بأن ديننا هو "الحق" إن كنا لم نختره بأنفسنا؟
وهل نملك الشجاعة لنسأل، ونبحث، ونتجاوز كل ما ورثناه إن احتجنا؟
أم سنبقى أسرى ما وُلدنا عليه، ونغلق الباب على كل من يسأل؟
بعد قراءة عدد هائل من الكتب الدينية، وتأمل استنتاجات الفلاسفة، وصلتُ إلى يقين يزداد اشتعالًا في داخلي: أن الدين، في بداياته، كان واحدًا… دينًا موحدًا يجمع البشرية كلها، من كبيرهم إلى صغيرهم، من أقصاهم إلى أقربهم.
كان الجميع على قلب رجل واحد، يؤمنون، ويسيرون على درب النور.
لكن الزمن تغيّر…
ومع تكاثر البشر وانتشارهم في جهات الأرض، جاءت كوارث طبيعية كالصواعق، والزلازل، والأوبئة، هزّت الكون، واقتلعت جذوره، ومزّقت أوصاله!
فمات من كان يحمل العلم، وذهب من كان يحفظ الرسالة، ولم يتبقَّ إلا جيل جديد… جيل هشّ الإيمان، ضعيف الصلة، باهت الذاكرة!
ثم جاء من بعدهم جيل آخر، أضعف منهم إيمانًا، حتى نُسي الدين، وغابت الحقيقة، وانطفأت أنوار الفطرة.
مرت العقود…
وبدأ الشعور بالنقص يتسلل إلى أعماق البشر…
ما الغاية؟ ما الهدف؟ ما سبب وجودنا؟
حاولوا العودة إلى الأصل، حاولوا استرجاع الطريق، ولكنهم فشلوا.
فما كان منهم إلا أن صنعوا لأنفسهم أديانًا من تأليفهم، من وحي خيالهم، بما يتماشى مع مصالحهم، ويشبع فضولهم العميق حول سؤال واحد فقط:
لماذا نحن هنا؟
سؤال حيّر كل مخلوق؟
لماذا خلق الإله بشرًا يعصونه، يُفسدون، ويسفكون الدماء، بينما توجد كائنات نقية طاهرة، تسجد له وتعبده بلا كلل؟
لماذا خلق إنسانًا ضعيفًا هشًّا، بينما عنده ملائكة لا تعصيه، وشياطين جبارة ذات بأس؟
لماذا؟
ما الحكمة من أن يُخلق الإنسان، وهو يفعل المعاصي، ولا يعبده إلا قليل من الناس؟
لماذا من الأساس؟!
هذا السؤال لم يُجب عليه أحد بشكل قاطع…
لكن مجرد طرحه، يشعل نيران الفكر، ويُطلق العنان للبحث عن الجواب…
من نحن؟ ولماذا وُجدنا؟ وما الذي يريده الإله من هذا الإنسان؟
بكل بساطة: العقل!
خلق الإله الملائكة من نور، ليعبدوه بلا تردد، يأتمرون بأمره، وينفذون ما يُطلب منهم بالحرف، وهم يمتلكون قوة عظيمة وسلطة مهيبة، لكنهم لا يملكون القدرة على تغيير الأشياء، ولا السيطرة عليها بإرادتهم… فهم عبيد أمر، لا أصحاب قرار!
أما البشر، فقد خلقهم الإله بعقل، بعقل قادر على التخطيط والابتكار والتحكّم، بعقل يستطيع أن يُعمّر الأرض، ويطوّرها، ويغيّرها…
ولكن، لأن الإنسان ضعيف بجسده، هشّ أمام المصاعب، لا يستطيع النجاة وحده… سخّر الله له كل شيء!
سخّر له الكون، وسخّر له الأرض، بل وسخّر له حتى الملائكة ذات القوة العظمى.
وهنا… ظهرت نار الحقد…
الشياطين!
كيف لهذا المخلوق الضعيف أن تكون له سلطات تفوقهم؟
كيف لإنسان ضعيف أن يُقدَّم عليهم؟
فأقسم الشيطان أن يُبعد هذا الإنسان عن الله… ولكن، انتبه!
كل قوّة الشيطان محصورة فقط في الإغواء، فهو لا يستطيع أن يؤذي الإنسان إلا إذا اختار الإنسان أن يُبعد نفسه عن ربه، لأن الله هو الحامي، هو الساتر، هو القادر على إبطال كل مكر.
المشهد يشبه تمامًا مشهد أب عظيم، يحكم مملكة الكون، وله ثلاثة أبناء:
اثنان منهم أقوياء، يطيعونه بلا نقاش، يفعلون ما يُطلب منهم بدقة.
والثالث ضعيف الجسد، لكنه يمتلك شيئًا لا يملكه غيره: العقل!
يصنع المعجزات، يُبدع في الأرض، يغيّر، يطوّر، يبني…
فأحبّه الأب، وشفق عليه، وأكرمه، وجعل الكون كله — حتى إخوته — في خدمته.
فغضب أحد الأبناء، ورفض…
بينما أطاع الآخر، ولكن بدهشة.
تلك هي قصة الإنسان!
ولكن… حتى لا يتكبّر هذا الإنسان، وحتى لا ينسى من أين أتى، ولا يغرق في وهم القوة، جعل الله ثلاثة أشياء تُبقيه في طاعته وتُذكره بضعفه:
1. الجنة والنار: في الآخرة، بعد الموت، للثواب والعقاب.
2. المرض والكوارث الطبيعية: في الدنيا، لتذكيره دومًا أنه ليس خالقًا، بل مخلوقًا، لا يملك من أمره شيئًا.
3. الشرائع والقوانين: وضعها الإله لحماية الأرض من فساد الإنسان، ولمنع الظلم، لأن الإنسان إن انحرف، قد يكون أشد شرًا من الشيطان ذاته، وإن استقام، قد يسمو فوق الملائكة في الطاعة والإيمان!
ومن هنا، نصل إلى سؤال يحرق العقول ويشعل الأرواح:
من هو الإله؟
وطبعًا نقول: إله واحد فقط!
وليس آلهة متعددة، لأن لو كان هناك أكثر من إله، لفسدت الأرض، واختلّ الكون، وانهارت السماوات بما فيها.
ووجود هذا النظام المذهل، والانضباط الكوني العجيب، دليل صارخ أن هناك إلهًا واحدًا، فقط… لا شريك له!
بالنسبة لي... من هو الإله؟
إنه ليس كائناً غامضاً يراقب من بعيد، ولا قوة صارمة تطلب الطاعة العمياء…
إن الإله، في نظري، مزيج من أجمل الصفات والمشاعر التي احتواها هذا الوجود، بل هو أسمى منها، وأرقى من أن يُحصر في وصف.
أرحم من قلب الأم بولدها!
وأكثر عدلاً من الأب الصالح مع أبنائه!
إلى هذه الدرجة… بل وأكثر…
يسامح من عصاه، يصفح عن من أخطأ في حقه، لكنه لا يسامح من يظلم مخلوقاً من خلقه — سواء كان إنساناً، أو حيواناً يعيش تحت سلطته، أو مخلوقًا ضعيفًا لا يملك لنفسه حولًا ولا قوة.
فالله لا يرضى بالظلم،
ولو ظلمك كائن حي، فلديك الحق أن تدافع عن نفسك، حتى ولو قتلت هذا الكائن — لا لأنه ضعيف، بل لأنه اعتدى!
الله لا يريد منك فقط الطاعة، بل يريدك أن تعيش… أن تستمتع… أن تفرح بالحياة!
هو لم يخلقك لتؤذِي نفسك في سبيله، بل يغضب حين يرى أنك تؤذي نفسك باسمه!
لو عبدته ليل نهار، بلا راحة، بلا بهجة، بلا استمتاع بالحياة كما أرادها لك…
فإنه سيحزن، وسيعاتبك، وسيلومك — لأنه لا يريد منك أن تنسى نفسك، بل أن تتوازن…
أن تتلذذ بالحياة في حدود ما شرعه لك!
الإله يريد منك شيئًا واحدًا فقط:
أن تذهب إليه، أن ترتمي بين ذراعيه، أن تحادثه، أن تشتكي له، أن تشارك له في تفاصيل حياتك…
أن تطيعه وتثق به… وهو بدوره، سيفعل لك ما تريد.
لكن إن عصيته؟
لن يُهلكك، ولن يعاقبك بالنار فورًا… بل سيحزن…
وسيرسل إليك ابتلاءات بسيطة، ليست انتقامًا، بل تنبيهًا… لعلّك تفيق، وتتذكر، وتعود…
وسيظل واقفًا هناك، من بعيد، ينتظرك…
ينتظرك أن تعود… أن تُلقي بنفسك بين يديه من جديد.
ومهما أخطأت…
ومهما تكررت معاصيك…
حتى لو بلغت مليار مرة!
إنك إن تبت، سيحبك… وسيفرح بك…
وسيظل يحبك، لأنه يعلم أن في قلبك حبًا له، حتى لو غلبتك نفسك في لحظة.
الله لا يحتاج إلى وسيط بينك وبينه.
هو فقط يريد احترامك، حبك، إخلاصك، طاعتك…
هو الذي خلقك، وسخّر لك ما في السماوات وما في الأرض، ووضع كل شيء تحت تصرفك.
ومن هنا… نصل إلى السؤال النهائي:
أين أجد الإله؟وهل الدين فعلاً وراثة؟
يجب أن نعترف بالحقيقة…
الدين، في معظمه، وراثي.
يُفرض على الطفل منذ نعومة أظفاره، لا عن قناعة، بل كواجب تلقائي ورثه عن والديه، وورثاهما من أجدادهما.
فبدلًا من أن يكون الدين نورًا يشد الإنسان إليه من تلقاء نفسه، صار عبئًا يُحمل على كتفيه باعتباره "مهمة من مهام الحياة".
لكن… هل هذا ما أراده الإله؟
أبدًا.
الإله لم يطلب من الإنسان أن يتبعه بلا عقل ولا تفكير.
بل جعل لكل شيء سببًا، ولكل تحريم حكمة.
هو يعلم أن الفرق بين الإنسان والملاك هو العقل، ولهذا لا يقبل منك طاعة عمياء، بل يريد إيمانًا واعيًا، نابعًا من الداخل، لا مورثًا من الخارج.
ولهذا يجب أن نكسر هذا القيد الوراثي.
يجب أن نعلّم أبناءنا عن وجود الإله… كيف يبحثون عنه، كيف يكتشفونه بأنفسهم…
فإن كان دينهم هو الحق، فسيعودون إليه بإرادتهم، وسيجدون فيه الراحة والطمأنينة…
وسيحبونه، لا لأنهم وُلدوا فيه، بل لأنهم عرفوه.
ومن هنا… نصل إلى سؤالنا الأخير:
كيف نجد الإله؟
الإله ترك لنا علامات كثيرة، دلائل، إشارات، معجزات عظيمة…
ليدلنا على الطريق إليه.
لكن هناك معجزة واحدة، كانت هي الخاتمة… كانت آخر ما أرسله إلينا:
الكتاب المقدّس.
وبعد بحثٍ طويل…
اكتشفت أن هذا الكتاب هو القرآن الكريم —
الكتاب الوحيد الذي لم يُكتشف فيه خطأ، لا في لغته، ولا في مضمونه، ولا في معانيه.
كتاب تشعر وأنت تقرأه، أنه حقًا من عند الله.
.png)
