حين ينبض قلبك... فمن الذي يُحرّكه؟!

 حين ينبض قلبك... فمن الذي يُحرّكه؟!
المؤلف GRIM

أكثر الأمور غموضًا... أكثرها قسوةً... وأكثر ما يُشعل داخلنا حروبًا لا تهدأ، هي تلك المشاعر.



أسئلة لا تنتهي، تتولّد يومًا بعد يوم داخل أعماقنا:
من أين تأتي المشاعر؟!
لماذا نحزن فجأة؟ لماذا نشعر بوحدة قاتلة دون سبب واضح؟
لماذا يطرق الاكتئاب أبوابنا على حين غفلة ونحن لا نستعد له؟! ولماذا؟
لماذا أصبح القلب هو الرمز الأول للمشاعر؟ قلبك نقيّ؟ إذاً روحك أصفى من النور. قلبك مظلم؟ إذًا السواد قد استوطن داخلك. قلبك أحمر؟ نار الحب مشتعلة فيك. قلب منكسر؟ فالحزن قد بلغ أعماقك. فهيا بنا الآن, لا لنعرف فقط, بل لنغوص في أعمق أعماق النفس البشرية!
إنها رحلة إلى عالم المشاعر, ستدفعك من أول سطر وحتى نهاية الألم!

ويأتي السؤال الأول, السؤال الذي يُمثّل المفتاح! هو البوابة التي سندخل منها إلى عمق الحقيقة! لماذا القلب؟ لماذا هو الرمز الأول للمشاعر؟!



الإجابة بسيطة, ولكنها غاية في العمق! سرّ المشاعر يكمن في سرعة نبضات القلب وفي سرعة تغيّر تلك النبضات من شعور إلى آخر! القلب هنا ليس مجرد عضلة
إنه المُترجم, هو الوسيط الذي ينقل إحساسك! تخيل كأنك تخاطب حاسوبًا، وتريد أن ترسل إليه أوامر من المستحيل أن يفهم لغتك! وولغته معقده وهو (0 , 1) لذلك تحتاج إلى وسيط, لغة برمجة تترجم بينك وبينه! نفس الأمر تمامًا, القلب يستخدم نبضاته كي يُوصل مشاعرك، والعقل يترجم تلك النبضات ليُدرك:
بماذا تشعر؟
هل هو خوف؟ توتر؟ قلق؟ ندم؟ حب؟ أم انهيار؟ وهنا نصل لأول معلومة صادمة, يوجد في جسم الإنسان جزء معين هو المصدر الحقيقي للمشاعر!
والقلب؟
ليس هو المصدر!
بل هو مجرد مُترجم يأخذ المشاعر من المصدر ويُعبّر عنها!
المشاعر تنبع من المصدر، ثم تمرّ إلى القلب، والقلب يُعبر عنها عبر معدل نبضاته،
فتصل إلى العقل، الذي يفسّر تلك النبضات ليعرف حالتك الشعورية. لكن في بعض الأحيان, تكون النبضات غامضة ويعجز العقل عن ترجمتها! وحينها، يتوه الإنسان
يسأل نفسه: "ما بي؟"
لكن الحقيقة؟ هو لا يعلم!
عقله عاجز عن فك شفرة نبضات قلبه! وهنا يَبرز السؤال الصادم:
أليس العقل هو الذي يُنتج المشاعر؟ فكيف يعجز عن فهمها؟!

وأقول لك:
كلا! من المحتمل جدًا ألا يكون العقل هو مصدر المشاعر أصلًا!
فالعقل أداة, أداة للتفكير، والذاكرة، والمنطق، والتحليل, لا للمشاعر.

خذ هذا المثال:
الحب! الحب من طرف واحد! شخص يحب فتاة بجنون وهي لا تُبادله الشعور!لو كان العقل هو المتحكم بالمشاعر، لكان من المنطقي أن ينساها فورًا لكن الأمر ليس كذلك!
العقل يقاوم وينصح ولكن بلا فائدة!القلب لا يزال متمسكًا بحبها, لأن المشاعر تأتي من مصدر أعمق ليست من عقل يبحث عن الراحة ويهرب من الألم. وهذا هو نفس العقل الذي يُماطلنا في الدراسة، يحثّنا على الراحة بدلًا من التعب، يطلب المتعة ويهرب من الالتزام
أي ببساطة:
العقل يصرخ بالمنطق، لكن القلب له رأي آخر!

وهنا نلامس أخطر نقطة, الصراع الأزلي بين المشاعر والمنطق!

لكن قبل أن نغوص في أعماق التفسير لا بد أن نوضح فرقًا في غاية الأهمية:-

 الرغبة في الشعور وإنتاج الشعور!




الرغبة في الشعور:

هي وعيك برغبتك في الإحساس بشعور معين, تريد أن تكون سعيدًا؟
فتُقرر الخروج إلى مكان جميل، تستمتع، تضحك, هنا أنت وعقلك تخلقون شعور الفرح بإرادتكم!



لكن !ماذا لو قابلت أسدًا فجأة؟ وهربت دون تفكير؟ هنا لم تكن هناك "رغبة" في الشعور بالخوف الخوف حدث! انفجر داخلك بلا إذن ولا تفكير!

وهذا ما يُسمى:

إنتاج المشاعر:

شعور ينبثق من داخلك دون أي قرار منك!

وهذا الموقف يفتح لنا الباب لسؤال أعظم:  إذا كنا لا نُنتج بعض مشاعرنا
فمن الذي يُنتجها؟!

وهنا تبدأ الرحلة الحقيقية رحلة البحث عن المصدر الخفي !عن سرّ إنتاج المشاعر التي لا نتحكم فيها! وسنكمل معًا
نظرية تلو الأخرى, حتى نصل إلى الحقيقة !حتى وإن كانت هذه الحقيقة قد وُلدت من داخلي بعد رحلة طويلة بين الكتب، والأفكار، والعقل، والقلب!

أين يأتى هذه المشاعر:-



أولًا: الروح والنفس:-

هذا التفكير ديني أكثر منه علمي
ففي معظم الأديان السماوية، المشاعر ليست مجرد تفاعلات كيميائية،
بل هي مرتبطة بالروح ذاتها !الروح هي مصدر الأحاسيس الخارجة عن إرادتنا،
حب الأم، حب الأب، الحنين، الحزن، العشق من النظرة الأولى!
حتى قبل أن نلتقي على الأرض، كانت أرواحنا تلتقي في السماء!
هناك شعور بالبقاء، غريزة النجاة، خوف من المجهول، وردود فعل مفاجئة تحدث دون تفكير! هذه ليست طباعًا بل مشاعر!
وحتى بعد خروج الروح، وعند لحظة الحساب، تبقى هذه المشاعر محفورة بداخلك
سواء دخلت الجنةأو النار.
لأنها مشاعر لاواعية لم تُنتجها أنت، لكنك عشت بها!

ثانيًا: العلم حين تحدث عن اللاوعي

نأتي الآن إلى العلم
هناك من العلماء من يرى أن هناك جزءًا داخل العقل مسؤول عن المشاعر وردود الفعل:
إنه اللاوعي، أو العقل الباطن.

وفي التفاصيل:
اللاوعي هو الجزء العميق الخفي من عقلك
يحتوي على ذكرياتك، رغباتك، صدماتك، وجروحك القديمة.
يظل صامتًا لكن تأثيره شديد!
يتحكم في تصرفاتك، مشاعرك، وقراراتك... دون أن تدري!

وقسم الطبيب النمساوى سيغموند فرويد العقل إلى ثلاث طبقات:
 
الوعي: ما تدركه حاليًا.
 
ما قبل الوعي:  معلومات يمكن استدعاؤها بسهولة.
 
اللاوعي: الجزء الغامض الخفي... وهذا هو الأخطر!

بمعنى:
ذكرياتك القديمة، والأحداث التي أثرت بك دون أن تشعر،
هي التي تُنتج تلك المشاعر التي تظهر فجأة!

لكن
هل هذا منطقي؟
هل يستطيع العلم تفسير كل هذا؟
حتى اليوم، العلماء أنفسهم لا يفهمون تمامًا كيف يعمل العقل!
إنه أعقد ما في الكون!

بل إن بعضهم يرى أن الإنسان يستخدم جزءًا ضئيلًا جدًا من قوة عقله...
بل أكثر من ذلك!
نحن لا نستطيع حتى التحكم في الأعضاء الداخلية لأجسامنا!
كل ذلك يعمل تلقائيًّا, لا شعوريًّا دون إرادتنا!

ومن هنا جاء التفسير:
المشاعر اللاواعية ناتجة عن هذا اللاوعي العميق، الذي يعمل من خلف الستار.

ومن وجهة نظري المتواضعة:


الصراع الداخلى داخل الإنسان:-

كما أن هناك ملائكة وشياطين

فالإنسان خُلق في المنتصف بينهما!
نصفه نورونصفه نار!
وما يحدث؟
صراع داخلي هائل
بين الضمير (الملاك)
وبين النفس الأمّارة بالسوء (الشيطان)

وهذا ليس مجرد رمزية!
بل واقع ملموس

كل فعل غريب تفعله، كل إحساس غامض،
هو نتيجة هذه الحرب!
والإنسان لديه خيار
إما أن يكون أقرب إلى الملاك
أو أقرب إلى الشيطان!

ومع مرور الوقت، واتخاذ القرارات، وتشكّل الحياة
تتكوّن المشاعر اللاواعية بحسب المسيطر عليك!

فإن كان الملاك هو المسيطر؟
ستتصرف على طريقته, دون أن تشعر!
تنقذ شخصًا تضحي بنفسك تموت من أجل فكرة!
بشكل تلقائي!

أما إن سيطر الشيطان؟
ستقتل تُدمّر تهرب من الموت، وتترك غيرك يغرق!
كلها صفات تتحوّل إلى مشاعر تلقائية لاواعية لا تفكر بها!

وهنا نصل إلى نقطة التحوّل:-

هل يمكن أن يظل الإنسان ملاكًا أو شيطانًا إلى الأبد؟

الإجابة: لا.

حتى لو سيطر أحد الطرفين،
فالطرف الآخر سيظل يحاول العودة, حتى وإن كان ضعيفًا، سيُقاوم ويجاهد!
لكن المشكلة؟
أن التحوّل ليس سهلًا!
إذا سيطر الملاك، يصعب على الشيطان العودة, وإن سيطر الشيطان، فصوت الملاك قد لا يُسمع بسهولة!

نصل الآن إلى السؤال الأهم:
أين هو العلم من هذا كله؟
والحقيقة؟
ليست كل الأمور قابلة للتفسير العلمي.

هناك أمور لا بد أن نؤمن بها دينيًّا
لأن العلم، مهما بلغ، لن يُدرك سرّ الإنسان ولا سرّ الكون.
لو كان قادرًا
لكان خلق إنسانًا جديدًا كاملًا من العدم!
لكن هذه قوانين الطبيعة الإلهية!

ونعود إلى سؤالنا الأساسي:

الإنسان يمتلك نوعين من المشاعر:

1.  مشاعر يتحكم بها.

2.  ومشاعر لا يملك السيطرة عليها أبدًا

والمشاعر اللاواعية؟
هي نتيجة حياتك، وتصرفاتك، وقراراتك السابقة
هي التي تُشكّلك
هي التي تقرر:
هل أصبحت ملاكًا؟
أم شيطانًا؟

تعليقات

عدد التعليقات : 0