"رحلة من الكتابة إلى الكتاب: هل نحن أحرار أم مُقادون؟"
سؤالٌ يكاد يُمزّق العقول... يفتّت المنطق... ويشعل القلب حيرةً ودهشة!
ولن نجد له مفتاحًا حتى نُدرك أولًا: ما هو القدر؟
القدر، في جوهره، هو سطرٌ كُتب في كتابٍ إلهيّ لا يخطئ.
خطّته يد الحكمة، لا عشوائية.
ليس عبثًا، بل دقةٌ مطلقة، علمٌ سابق، اختيارٌ أعظم منك... وأكبر من إدراكك.
لكن... هل معناه أننا عبيدٌ لا قرار لنا؟ هل نُساق إلى مصيرنا كأننا لا شيء؟
الإجابة تُفجّر كل التصوّرات: نعم... ولا.
قبل أن تكون جسدًا، كنت روحًا، نقيةً، طاهرةً، تسبح في الغيب، تتشوّق للنزول، تنتظر النداء الإلهي:
"كوني!"
حينها تبدأ الرحلة، رحلة الخلود المؤقت فوق الأرض.
الله وضعك في مهمّةٍ عظيمة:
أن تُصلح الأرض، أن تعبد ربك عن وعيٍ وحُب، أن تكون نقطة تحوّل في تاريخٍ يكتبه البشر، وتسطره الأرواح.
كل ما يحدث قبل أن تفهم الدنيا، قبل أن تميز، قبل أن تختار...
هو قدر.
- مكان ولادتك؟ قدر.
- عائلتك؟ قدر.
- الآلام التي لا تذكرها من طفولتك؟ قدر.
لكن مهلاً…
أتظنه ظلمًا؟ كلا! بل هو العدل المطلق.
لو خُيّرت لاخترت ما يهدمك!
الله يضعك حيث تتألم، لتستفيق.
يضعك حيث تُختبر، لتقوى.
يضعك في بيئة فقيرة؟ ربما لأن فيك كنزًا لا يُكتشف إلا بالجوع!
ولدك في بيتٍ فاسد؟ ربما لأنك النور الذي سيحرق ظلامهم ويُحيي فيهم الحياة من جديد!
ما خُلقت لتعيش لنفسك... بل لتكون رسالة.
ما نُفخت فيك الروح لتأكل وتنام فقط... بل لتُغيّر، تُضيء، وتكون.
لكن الله، في رحمته، لا يتركك للأبد تحت جناح القدر.
حين ينضج عقلك، حين تُدرك ذاتك، حين تفهم الخير والشر،
يُبعد عنك القلم الإلهي شيئًا فشيئًا...
ويبدأ قلم آخر:
قلمك أنت.
من هنا تبدأ المعركة، بين ما خُطّ لك، وما تكتبه بيدك.
الله لا يتركك، لكنه يُراقب:
هل ستكمل الرسالة؟
أم تهرب؟
هل ستُضيء طريقك رغم الجراح؟
أم تلعن القدر وتنهار؟
الله يتدخل فقط حين تمشي نحو هاوية لا تراها،
فيُغلق الباب، يُكسر الحُلم، يُبعِد الحبيب،
لا لأنه يُعاقبك…
بل لأنه يُنقذك..
ومن هنا ينبثق سؤال مفصليّ: ما الفرق بين قلم القدر... وقلم الحساب؟
الفرق بينهما هو الفرق بين من يُقاد، ومن يقود!
بين مرحلة تُساق فيها، وأخرى تُحاسب فيها على كل خطوة!
بين طفولةٍ روحية يختبرك الله فيها، وبلوغٍ عقلي تُختبر فيه نفسك!
قلم القدر هو ذاك القلم الذي يخطّ أحداثًا لا بدّ أن تقع،
مكتوبة عليك، مفروضة عليك، لحكمةٍ قد لا تُدركها الآن، لكنها تصبّ في صالحك،
هو الذي يرسم لك الامتحان... حتى قبل أن تفهم الأسئلة!
تخيل طفلًا يجلس في قاعة الامتحان لا يعرف شيئًا...
الأسئلة معقّدة، والعقل لا يزال غضًّا صغيرًا...
فيأتي القدر ليختار له أفضل الإجابات، ليرشده حتى دون أن يشعر،
لأن الله لا يُسلِّمك للعالم قبل أن يُسلّحك،
ولا يختبرك قبل أن يُهيّئك!
أما قلم الحساب... فهو ذاته الامتحان،
لكنك الآن تعرف المادة، تفهم الأسئلة، ترى الطريق بوضوح،
تملك الإدراك والاختيار،
وهنا يُترك لك القرار:
تمضي نحو النور أم تتوه في الظلام؟
تبني ذاتك أم تهدمها؟
ومن هنا، يكتب قلم الحساب بناءً على اختياراتك، لا على ما فُرض عليك.
إذن، لكي تفهم جوهر القدر،
يجب أن تعرف أن القدر ليس ما يحدث لك،
بل هو الطريق الذي تختاره للتعامل مع ما يحدث لك!
وهنا، نُفرّق بين مفهومين عظيمين: القدر والغيب.
فلا تخلط بينهما!
الغيب، هو ما يعلمه الله عنك،
يعلم ما ستفعله، وما ستختاره، وكيف سيكون مصيرك،
ولكن هذا العلم ليس سطرًا مكتوبًا يُجبرك على السير فيه!
لكنّه لم يُجبرك،
لم يُملي عليك أن تفعل ذلك،
هو فقط يعلم،
فالعِلم شيء،
والكتابة الجبرية شيءٌ آخر تمامًا.
أما ما يصيبك من مرض، أو فقر، أو فقد، أو مصيبة،
فهو ليس قدرًا يعكس ضعفك،
بل اختبارٌ يكشف قوتك!
تذكّر:
القدر يوجّهك حين تكون ضعيف الإدراك،
والحساب يبدأ حين تُصبح قادرًا على التمييز.
من هنا نفهم:
القدر ليس قيدًا، بل إعدادًا.
والغيب ليس ظلمًا، بل علمًا.
والاختبار ليس عذابًا، بل فرصة لتكتشف من تكون،
ولتثبت لله... أنك تستحق.
فهل يعني هذا أن القدر ينتهي حين يصبح الإنسان عاقلًا؟
الإجابة ببساطة: لا.
فالله، برحمته، لا يتركك أبدًا... لا في ضعفك ولا في قوتك،
لا في جهلك ولا في علمك،
ولا حتى حين تظن أنك أصبحت تميّز كل شيء وتفهم كل الطرق.
فحتى بعد أن يبلغ عقلك أشدّه، وتظن أنك قادر على اتخاذ القرار الصحيح،
قد تخطئ...
قد تظن أن في الأمر خيرًا، وهو شر،
وقد تلهث خلف وهمٍ تراه نورًا، وهو نار.
هنا... يتدخل القدر من جديد.
ليس ظلمًا لك، بل رحمةً بك.
فالله، خالقك، يعرفك أكثر مما تعرف نفسك،
يرى ما لا تراه، ويعلم مآلات الأمور قبل أن تخطو خطوتك الأولى،
فإن رأى أن اختيارك سيقودك إلى الهلاك،
وأنك تمضي بقلبٍ أعمى وعقلٍ مخدوع...
تدخّل القدر لينقذك.
حتى إن تعارض مع رغبتك،
لأنه يعلم ما لا تعلم،
ويرى الخير حيث لا تراه،
ويُدبّر لك حين تعجز عن التدبير.
وهنا، ينبثق سؤال يردده الناس منذ الأزل:
هل الدعاء يغيّر القدر؟
والإجابة: نعم. بل يقلبه رأسًا على عقب.
لكن... ليس كل دعاء يُستجاب،
وليس كل نداء يسمعه الله،
فالدعاء له أبواب لا تُفتح إلا بمفاتيح، وله طريق لا يُسلك إلا بصفاء.
فإن أردت لدعائك أن يلامس أبواب السماء،
طهّر قلبك أولًا.
لا دعاء يُرفع وفيه ذرة كِبر أو حقد أو حسد.
ولا طلب يُستجاب إن لم يكن خالصًا، صادقًا، نقيًا،
يخرج من قلب أحب الله، وأحب الخير لغيره كما يحبه لنفسه.
ثم اعلم، أن الدعاء وحده لا يكفي،
فالله لا يستجيب لمن يطلب وهو جالسٌ بلا حراك.
تدعوه أن تنجح؟ فابدأ بالاجتهاد.
تدعوه أن تُغنى؟ فابحث عن عمل، عن فكرة، عن سعي.
الدعاء بدون عمل... كالسفينة بلا شراع.
لن تمضي، ولن تصل، مهما نفخت فيها الرياح.
ولكن، حين تعمل وتدعو،
حين تزرع وتبتهل،
حين تكدّ وتسجد،
هنا يصبح الدعاء قوة خارقة،
يضاعف نتائجك،
يُمهّد الطرق،
ويكشف لك دروبًا لم تكن لتراها أبدًا بعينك وحدك.
الدعاء ليس بدلًا عن العمل،
بل هو وقود العمل.
منشّط الروح، مرشد القلب، دليل الحائرين، وعون الساعين.
فلا تقل "دعوت ولم يُستجب لي"...
واسأل نفسك:
هل سعيت حقًا؟
هل دعوت بقلبٍ صادق؟
هل كان دعاؤك حبًّا... أم طمعًا؟
وهنا ينبثق سؤال بسيط في ظاهره... عظيم في جوهره:
هل الفشل قدرٌ مكتوب، أم اختيار نابع منّا؟
الإجابة... تعتمد على الظروف.
فحين تسعى، وتُجاهد، وتبذل كل ما في وسعك،
ثم تفشل في النهاية بسبب ظرف قهري لم يكن لك يدٌ فيه،
فهنا يكون الفشل قدرًا.
بل هو قدرٌ إلهي خالص، لا شك فيه،
فالله، بعلمه وحكمته، قد حجب عنك ذلك النجاح،
لأنه يعلم ما لا تعلم،
ويعلم أن هذا النجاح الذي تبكي عليه،
كان سيقودك إلى طريق مظلم، أو يسلب منك شيئًا أعظم.
أما إن كان الفشل ناتجًا عن كسل، أو تهاون، أو اختيار خاطئ،
فهو ليس قدرًا... بل اختيارك أنت.
فلا تُعلّق أخطاءك على مشجب القدر،
ولا تجعل من مشيئة الله شماعة تهرب بها من مسؤوليتك.
الشر؟
الشر، كذلك، اختيارك.
أنت من يختار أن يكون طيبًا أو خبيثًا،
أن يسامح أو ينتقم،
أن يبني أو يهدم،
الله أعطاك العقل، والنور، والدليل،
وترك لك حرية المسير.
نعم... نحن نختار،
نختار أغلب تفاصيل حياتنا،
نختار طريقنا، أفعالنا، ردود أفعالنا،
وفي النهاية... نُحاسب على ما اخترناه.
وهنا نصل إلى أغرب سؤالين على الإطلاق:
هل الموت والحب من القدر؟ أم من اختيارنا؟
أما الموت،
فموعده مكتوب، لا يتقدّم ولا يتأخر لحظة.
هو لحظة محددة لا يبدّلها شيء،
إلا الدعاء...
فالدعاء قد يُطيل في عمرك،
وقد يُغيّر أجلك، لأنه من أعظم مفاتيح الرحمة.
لكن... طريقة الموت؟
هنا يعود الاختيار.
ستموت في الموعد المكتوب،
لكن... ستموت كيف؟
ستموت على معصية؟ أم على طاعة؟
ستموت مغمورًا بالذنوب؟ أم نقيًّا كأنك وُلدت لتوّك؟
ستموت عظيمًا، تُبكيك القلوب؟
أم تموت ولا يذكرك أحد؟
هذا اختيارك.
الله يعلم كيف ستموت،
لأنه يعلم ما تختار،
لكنّه لم يُجبرك على الطريقة.
هنا الفارق الجوهري بين "العِلم" و"الكتابة".
الله يعلم... لكنه لم يُجبر.
فأنت من تسطّر سيناريو نهايتك،
وأنت من يكتب الفصل الأخير من حياتك،
بيديك، وبأفعالك، وبما تُخفيه روحك.
وأما الحب... فهو أعظم أسرار الوجود، ومعجزة من معجزاته.
لأنه يعتبر تلاقى الأرواح قبل نزولهم للدنيا
ليس نزوةً، ولا لحظة إعجاب، ولا شوقًا للاهتمام...
بل هو إحساس يسبق الجسد، ويسكن الروح، وينبع من عالم الغيب، من زمن الأرواح قبل أن تُخلق الأجساد.
الحب الحقيقي لا يُفهم بالعقل... بل يُحَس.
تشعر حين تراه أنك رأيته من قبل، كأنك التقيت بنفسك في عينيه، فتطمئن... وتطمئن له.
هو لا يُكملك، بل يُوقظ ما فيك، يراك بضعفك وألمك، ويحبك كما أنت.
لا يُمثل، لا يُجامل، لا يخاف ضعفك، بل يحتضنه، ويقويك حين تنهار.
في الحب الحقيقي، لا كرامة تُبعد، بل دعاء يُقرّب، وخوفٌ عليك كأنك الروح ذاتها.
هو لا يملُكك، بل يُنضجك... يُربّيك على الصدق، على الصبر، على الطُهر.
وإن غاب، تدعو له... لا تكرهه، بل تُحبّه في صمت، وتُصبح أقوى، أطهر، أنقى — ليعود فيراك كما لم يرك من قبل.
الحب الحقيقي لا يُمنَح للجميع، لأنه رزق... وأحيانًا اختبار.
فإن صفا قلبك، وأخلصت روحك، أرسل الله إليك من يكون وطنك... وتكون له الوطن.
وأختمها بأيه من القرءان الكريم
(إن الله لا يغير ما فى قوما, حتى يغيروا ما فى أنفسهم).

