أين يذهب كنزك:-
دعني أبدأ معك بسؤال بسيط في شكله، خطير في معناه:
هل سألت نفسك يوما ما هو الشىء الوحيد الذي يمكن أن يضيع
منك بسهولة، دون أن تشعر، ودون أن تحزن عليه، رغم أنه أغلى ما تملك؟
قد يخطر ببالك المال.
لكن الحقيقة أن المال يعوض، ويجمع، ويأتى ويذهب. أما الشيء الذي إن ضاع,
لا يعود أبدا، فهو الوقت. الغريب أن الإنسان قد يبكى على جنيه ضاع، لكنه لا يشعر بأي ألم
وهو يبدد ساعات كاملة من عمره بلا وعى.
رغم أن الوقت هو السبب الحقيقي وراء المال، والنجاح،
والحياة الكريمة، وكل قيمة حقيقية في هذه الدنيا.
اليوم، أصبح للوقت مكانة غريبة في حياتنا. نسمع كثيرًا عن “إدارة
الوقت”، و“الحفاظ على الوقت”، لكن القليل فقط يفهم الفرق الحقيقى بين أن
تحافظ على وقتك،
وأن تستثمره. وهنا تبدأ المشكلة.
الفرق بين الحفاظ على الوقت, واستثماره
الشخص الذي يحافظ على وقته، هو إنسان منضبط.
ينفذ المهام المطلوبة منه، ينهي عمله، ثم يبحث عن أي شيء
يريحه أو يسليه. هو شخص جيد، منظم، لكنه يتحرك داخل دائرة مغلقة. يشبه العامل الذي يؤدي
واجبه بإخلاص، ثم ينتظر نهاية اليوم.
أما الشخص الذي يستثمر وقته، فهو لا يرى الوقت
كمساحة للراحة فقط، بل كأداة لبناء المستقبل. يستبدل بعض متع اليوم
بما يفيده غدا، يتعلم، يطور نفسه، يراكم مهارات، ليصنع لنفسه قيمة
أعلى، ومكانة أعمق، وتأثيرا أكبر.
مثل الفرق بين شخص ينفق راتبه بالكاد حتى نهاية الشهر، وشخص آخر يحاول
الادخار، أو الاستثمار، أو شراء أصل يزيد قيمته مع الزمن.
الاثنان يتقاضيان الراتب نفسه، لكن أحدهما يفكر في
“اليوم”، والآخر يفكر في “الحياة”.
ولو تأملت قليلا، ستدرك أن أكبر الشركات في العالم تعرف هذا الفرق جيدا، وتبني أرباحها عليه. هي لا تسرق مالك
مباشرة، بل تستهلك وقتك، ومن وقتك تصنع المال.
من يملك وقتك, يملكك!
وسائل التواصل الاجتماعي مثال واضح. شركات استثمرت سنوات
من العمل، والتخطيط، والدراسة النفسية، لتصنع منصات تبتلع
وقتك دون أن تشعر.
عندما تخسر مالا، تشعر بالألم وتحاول التوقف. لكن عندما تخسر وقتا،
تمر الساعات وأنت “سارح”، ولا تشعر بأي خسارة, إلا بعد فوات الأوان.
في الماضي، لم تكن الحياة بهذا السخاء. كان الإنسان مجبرا على
أن يتعلم،
أن يتقن مهارة، أن يتحمل مسؤولية
مبكرة، وإلا لفظته الحياة بلا رحمة.
كان الأهل أحيانا يقسون على أبنائهم، لا كرها، بل حماية لهم
من مستقبل قاسى.
مثلما فعل العرب قديما حين أرسلوا أبناءهم لرعي الغنم، ليتعلموا الصبر،
والقوة، وتحمل المسؤولية.
وهنا يظهر مثال بليغ من الطبيعة نفسها.
درس العقاب: القوة لا تمنح, بل تنتزع!
العقاب، ملك السماء، لم يولد قويا من فراغ. عندما يكبر فرخه قليلا، تقوم أمه بإزالة العش
الناعم، وتضع مكانه أغصانا قاسية. ثم تحمله، وتلقي به من
أعلى مكان.
وقبل أن يسقط, تنقذه.
وتكرر الأمر مرة بعد مرة، حتى يضطر الصغير إلى
استخدام جناحيه.
لم يكن هذا قسوة، بل تدريبا على الحياة.
وهنا السؤال المؤلم:
هل نحن نُربى اليوم على الطيران! أم على البقاء في
العش؟
كل شيء متاح, كل متعة في متناول اليد, كل إجابة جاهزة.
حتى التعليم، كثيرا ما يقدم لنا “النتيجة” دون أن يعلمنا
“الطريق”.
فأصبح النجاح عندنا هو النجاة، لا التفوق. وأصبح التفوق مجرد
درجات،لا عمق، ولا مهارة، ولا شخصية.
القرار الذي يصنع الفارق
انظر حولك.
أصحاب الشركات، صناع المحتوى، الرياضيون، الفنانون...
الخ
لم يصلوا لما هم فيه لأنهم كانوا أذكى الناس، بل لأنهم استثمروا
وقتهم, عندما كان الآخرون يضيعونه.
هم اليوم يعيشون المتعة التي يحلم بها الجميع، لكنهم دفعوا ثمنها
مسبقًا، وقتا، وتعبا، وانضباطا.
قد تسألني:
“هل الحل أن نتعذب؟”
نعم!
تتعب الآن، أو تتعب لاحقًا.
الحياة خط مستقيم: قبل الخط (قرار), بعد
الخط (نتيجة).
إما أن تستثمر وقتك اليوم، فتحصد غدا متعة
حقيقية، أو تضيعه الآن، فتدفع الثمن لاحقا.
وأخيرا، تذكر:
أنت لا تحتاج أن تثبت نفسك لأحد. كل ما تحتاجه أن تثبتها لنفسك.
وحين تفعل!
سيراك الناس دون أن تتكلم.