المجهول داخل القلوب:-
الحديث عن المشاعر بين الرجل والمرأة ليس موضوعا سهلا، وليس لأنه غامض فقط، بل لأنه يمس أكثر منطقة هشة في الإنسان: نفسه.
نحن لا نتحدث هنا عن اختلاف عابر في وجهات النظر، بل عن عالمين مختلفين
تماما في التكوين، والتجربة، وطريقة الإحساس.
رجل وامرأة يعيشان المشاعر نفسها، لكن كل بطريقته.
وقد يبدو هذا الطرح معقدا، خصوصا حين نحاول فهم
مشاعر لا نعيشها من الداخل.
ولهذا أبدأ معك بسؤال بسيط، لكنه صادم:
هل المشاعر موجودة حقًا؟
أم أننا نعيش داخل أوهام كبيرة أطلقنا عليها أسماء مثل
الحب، والعشق، والغرام؟
اختلاف التفكير, ولكن المشترك هو الضعف
الإنسانى
إذا نظرنا بعمق، سنجد أن الرجل والمرأة يختلفان في طريقة
التفكير، في التعبير، فى ردود الأفعال، بل وحتى في فهم المشاعر
نفسها.
لكن رغم هذا الاختلاف، هناك نقطة مشتركة لا يمكن
إنكارها: الضعف الإنسانى.
الضعف هنا لا يعنى الهشاشة أو قلة القيمة، بل هو نتيجة طبيعية
لتجارب قاسية، لإهمال، أو خذلان، أو صدمات لم تجد من يحتويها.
الفتاة غالبا تكون أكثر عاطفية في التعبير، والرجل قد يكون أكثر
كتمانا، لكن كلاهما قد يحمل داخله فراغا يبحث عمن يملؤه.
ومن هذا الفراغ، تولد أحيانا مشاعر لا تشبه الحب بقدر ما
تشبه التعلق،
أو الحاجة، أو الرغبة في النجاة. وهنا تبدأ النقطة
الفارقة في العلاقة بين الرجل والمرأة.
عندما يتحول الإعجاب إلى ملاذ
تخيل إنسانا ضعيفا من الداخل، لا لأنه سيئ، بل لأنه متعب. يشبه طفلا تائها في
غابة واسعة، لا يعرف إلى أين يذهب، ولا من يثق به, قد
يكون محاطا بالناس، لكن الوحدة داخله لا تهدأ.
ثم يظهر شخص واحد فقط!
فيسقط عليه الإنسان كل ما يفتقده: الأمان، الاحتواء،
الطمأنينة.
في هذه اللحظة، لا يعود الأمر حبا خالصا،
بل يصبح تعلقا وجوديا. هذا الشخص يصبح
“المنقذ”، حتى لو لم يقصد هو ذلك.
ومن هنا نفهم لماذا: شخص قد يكون مستعدا
للتضحية بكل شيء من أجل من يحب
وآخر ينسحب بهدوء إذا شعر بعدم القبول
ليس لأن أحدهما أفضل من الآخر، بل لأن أحدهما وجد في
العلاقة ما كان مفقودا داخله.
الذوق، التعلق، والإدمان العاطفى
الأذواق بين البشر لا يمكن تفسيرها بمنطق واحد. شخص يحب الروح قبل
الشكل، وآخر يرى الشكل أولوية. شخص يرى صفة ما عيبا، وآخر يراها ميزة.
وهذه الاختلافات طبيعية، ولا تحتاج إلى تبرير.
لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول المشاعر إلى إدمان، تماما مثل شخص يعشق
الطعام الحار، يعرف أنه يؤذيه، ومع ذلك لا يستطيع
التوقف.
ليست كل مشاعر قوية دليل حب عميق، أحيانا تكون دليل
احتياج شديد.
وهنا يظهر الفارق بين: شخص قوي من الداخل،
يعيش المشاعر دون أن تسيطر عليه
وشخص مستعد أن يبيع نفسه وحياته لأجل شخص واحد فقط القوة الداخلية هي
الفيصل القوة النفسية لا تعني القسوة، بل تعني الاستقلال.
الإنسان القوي عاطفيا: يحب، لكنه لا يذوب يشتاق، لكنه لا يفقد
نفسه, يتألم لكنه لا ينهار
أما الإنسان الضعيف من الداخل، فيبحث عن شخص لا
ليشاركه الحياة، بل ليمنحه معنى وجوده.
وهنا لا يصبح السؤال: من يحب أكثر؟
بل: من يملك نفسه أكثر؟
المشاعر بين الرجل والمرأة ليست لغزا، ولا وهما كاملا، ولا حقيقة مطلقة, هي
انعكاس لما بداخلنا.
فمن عرف نفسه، أحب بوعى, ومن هرب من نفسه، تعلق
باسم الحب.
وأخيرا، أتمنى أن ندرك الفارق الحقيقي بين الحب الصادق
والمشاعر الخادعة.
فالحب الحقيقى يفكر في مصلحتك قبل أى شىء ويحافظ على
كرامتك مبين الناس، حتى وإن تعارض ذلك مع رغباته أو راحته.
أما المشاعر الزائفة، فغالبا ما تُبقيك على الهامش، لا
تستدعيك إلا عند الحاجة،
وتمنحك اهتماما مؤقتا ينتهي بانتهاء مصلحتها.